مضى وقت طويل منذ غادرت جدتي بيتنا ، قضت معنا بعض الوقت حتى تحسنت صحتها ،ثم أصرت على العودة لبيتها
مازلنا نرى أن ذاكرتها ليست بخير ، لكن جدالها لم يكن ممكنا ، تكلمت ببطء ، فجاء صوتها هادئا حالما ، قالت "أنه بيتي ، قضيت طول عمري فيه ،حتى كأن كل جدار فيه يخاطبني بلغة تخصنا ،فلم أعد اذكر البيوت التي عشت فيها قبله."
كانت تتكلم كما يتكلم الواحد منا نحن الصغار عن حلم عمره ، عن السفر بالطائرة ، أو عن كنزه الذي دفنه قرب الشاطيء في المصيف ويحلم دوما بأن نذهب لنفس المكان العام القادم فيبحث عنه.
سألتني امي بعد رحيل جدتي ، ترى كيف حال جدتك؟
ضحكت لها وقلت بخبث لعلها عادت لوساوسها حول جدران المطبخ التي تكاتبها.
قذفتني امي ببعض الماء لتنهاني عن السخرية من والدتها فرحت أجري ضاحكا.
روت لي أمي أمر الكتابات تلك ، بدأ عندما اكتشفت جدتي مع إحدى بناتها أن أقلام الفلوماستر يمكن مسحها من على الحائط ، فاستغلت جدتي الاكتشاف المذهل بأفضل شكل ممكن.
كانت تكتب على جدار المطبخ ما تريد أن تطبخه خلال الاسبوع ، ثم قررت أن المساحة أمام الموقد يمكنها أن تحمل قائمة المشتروات أيضا من خضر ودقيق وتوابل.
كان جدي يشاكسها احيانا ، فيمسح اللوبيا من وجبات الاسبوع ويضع العدس لأنه يحبه ، أو يضيف على وجبة الدجاج كونها مشوية أو بالكاري ، أو تتحول وجبة الثلاثاء من مكرونة الى مكرونة بالدجاج والمرح ، أو يكتب أمام يوم الخميس أن الوجبة حب وسعادة بدلا من ترك الخانة فارغة ، تسألنا الجدة كل يوم عمن عبث بقائمتها المقدسة ، يشير أحدنا الى غرفة الجد ، ونضحك في صمت ،ثم تبتسم هي و تتمتم ببعض كلمات مصطنعة الغضب مننا ، ثم تطالع القائمة لترى ما تغير فيها أو زاد عليها.
تقول امي : " لم يكن من عادة الجدة أن تكتب شيئا غير هذا لكن لما مات جدك ، حزنت حزنا كبيرا ،
واعتكفت في غرفتها لا تخرج إلا قليلا ، ويقوم بأمرنا اخوتها"
حتى خرجت يوما ، فوقفت في المطبخ ترقب شيئا على الجدار ، سألتنا بهدوء هذه المرة ، هل غير أحدكم شيئا من قائمتي؟
نظرنا لبعضنا في حيرة ، لم يكن الجو مناسبا لعبث الصغار هذا ، سكتت الجدة ثم عادت لغرفتها
في صباح اليوم التالي استيقظنا فوجدناها في كامل نشاطها ، تقف في المطبخ ، تعدل القوائم وتطبخ لنا طعاما شهيا ،وكأن البيت كله قد عاد للحياة بوجودها.
زادت كتابات الجدة ، كانت تكتب قائمة الوجبات في اول الاسبوع ، ثم تصحو في الصباح لتتفاجأ بالاضافات والتعديلات .
زادت الجدة مساحة الكتابات ، فككت خزانة الأطباق القديمة بدعوى أنها متهالكة ، فأصبح لديها مترا كاملا للكتابة.
أصبحت تكتب بعضا مما قرأت ، أو شيئا سمعته على الراديو وتحب أن تقرأ عنه اكثر ، واحيانا شكوى من شيء يحزنها ، وكانت تعود في الصباح لتجد تعديلات على هذا كله ، فتخرج إلينا تصطنع الغضب وتسأل عمن عدل وأضاف ، ولا نجيب الا بالضحك الصامت كعادتنا.
في اليوم الثالث لغياب جدتي عن بيتنا ، طلبت أمي أن نتفقد أحوالها بعد عودتي من المدرسة ، طرقنا الباب فففتحت جدتي بابتسامة ، بدت بحال جيدة
جلسنا على أريكة جدتي القديمة ذات البياضات المنقوشة ، لكن امي قامت تتظاهر بإحضار كوب ماء ، ترقبنا ظهور أمي من باب المطبخ ، فخرجت باسمة واشارت إلينا أن نعم ، زادت الكتابات عن آخر مرة كنا فيها هنا.
انتهت ، القاهرة ١٤ فبراير ٢٠١٩
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق